محمد بن جرير الطبري

96

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ثناءه : بِما كانُوا يَكْذِبُونَ اختلفت القراءة في قراءة ذلك ، فقرأه بعضهم : بِما كانُوا يَكْذِبُونَ مخففة الذال مفتوحة الياء ، وهي قراءة معظم أهل الكوفة . وقرأه آخرون : " يكذبون " بضم الياء وتشديد الذال ، وهي قراءة معظم أهل المدينة والحجاز والبصرة . وكأن الذين قرءوا ذلك بتشديد الذال وضم الياء رأوا أن الله جل ثناؤه إنما أوجب للمنافقين العذاب الأَليم بتكذيبهم نبيهم محمدا صلى الله عليه وسلم وبما جاء به ، وأن الكذب لولا التكذيب لا يوجب لأَحد اليسير من العذاب ، فكيف بالأَليم منه ؟ وليس الأَمر في ذلك عندي كالذي قالوا ؛ وذلك أن الله عز وجل أنبأ عن المنافقين في أول النبأ عنهم في هذه السورة بأنهم يكذبون بدعواهم الإِيمان وإظهارهم ذلك بألسنتهم خداعا لله عز وجل ولرسوله وللمؤمنين ، فقال : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا بذلك من قيلهم مع استسرارهم الشك والريبة ، وَما يَخْدَعُونَ بصنيعهم ذلك إِلَّا أَنْفُسَهُمْ دون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، وَما يَشْعُرُونَ بموضع خديعتهم أنفسهم واستدراج الله عز وجل إياهم بإملائه لهم فِي قُلُوبِهِمْ شك أي نفاق وريبة ، والله زائدهم شكا وريبة بما كانوا يكذبون الله ورسوله والمؤمنين بقولهم بألسنتهم : آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وهم في قيلهم ذلك كذبة لاستسرارهم الشك والمرض في اعتقادات قلوبهم . في أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم ، فأولى في حكمة الله جل جلاله أن يكون الوعيد منه لهم على ما افتتح به الخبر عنهم من قبيح أفعالهم وذميم أخلاقهم ، دون ما لم يجر له ذكر من أفعالهم ؛ إذ كان سائر آيات تنزيله بذلك نزل . وهو أن يفتتح ذكر محاسن أفعال قوم ثم يختم ذلك بالوعيد على ما افتتح به ذكره من أفعالهم ، ويفتتح ذكر مساوئ أفعال آخرين ثم يختم ذلك بالوعيد على ما ابتدأ به ذكره من أفعالهم . فكذلك الصحيح من القول في الآيات التي افتتح فيها ذكر بعض مساوئ أفعال المنافقين أن يختم ذلك بالوعيد على ما افتتح به ذكره من قبائح أفعالهم ، فهذا مع دلالة الآية الأَخرى على صحة ما قلنا وشهادتها بأن الواجب من القراءة ما اخترنا ، وأن الصواب من التأويل ما تأولنا من أن وعيد الله المنافقين في هذه الآية العذاب الأَليم على الكذب الجامع معنى الشك والتكذيب ، وذلك قول الله تبارك وتعالى : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ والآية الأَخرى في المجادلة : اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ فأخبر جل ثناؤه أن المنافقين بقيلهم ما قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع اعتقادهم فيه ما هم معتقدون ، كاذبون . ثم أخبر تعالى ذكره أن العذاب المهين لهم على ذلك من كذبهم . ولو كان الصحيح من القراءة على ما قرأه القارئون في سورة البقرة : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ لكانت القراءة في السورة الأَخرى : والله يشهد إن المنافقين لمكذبون ، ليكون الوعيد لهم الذي هو عقيب ذلك وعيدا على التكذيب ، لا على الكذب . وفي إجماع المسلمين على أن الصواب من القراءة في قوله : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ بمعنى الكذب ، وأن إيعاد الله تبارك وتعالى فيه المنافقين العذاب الأَليم على ذلك من كذبهم ، أوضح الدلالة على أن الصحيح من القراءة في سورة البقرة : بِما كانُوا يَكْذِبُونَ بمعنى الكذب ، وأن الوعيد من الله تعالى ذكره للمنافقين فيها على الكذب حق ، لا على التكذيب الذي